السيد الطباطبائي

327

تفسير الميزان

وما أوحي إليه من أمر القبلة ، أجنبي عن موضوع الكتاب الذي أوتيه أهل الكتاب ، فالمعنى ان أهل الكتاب يعرفون رسول الله بما عندهم من بشارات الكتب كما يعرفون أبنائهم ، وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . وعلي هذا ففي الكلام التفات من الحضور إلى الغيبة في قوله يعرفونه ، فقد أخذ رسول الله غائبا ، ووجه الخطاب إلى المؤمنين بعد ما كان صلى الله عليه وآله وسلم حاضرا ، والخطاب معه ، وذلك لتوضيح : ان امره صلى الله عليه وآله وسلم واضح ظاهر عند أهل الكتاب ، ومثل هذا النظم كمثل كلام من يكلم جماعة لكنه يخص واحدا منهم بالمخاطبة إظهارا لفضله ، فيخاطبه ويسمع غيره ، فإذا بلغ إلى ما يخص شخص المخاطب من الفضل والكرامة ، عدل عن خطابه إلى مخاطبة الجماعة ، ثم بعد الفراغ عن بيان فضله عدل ثانيا إلى ما كان فيه أولا من توجيه الخطاب إليه وبهذا يظهر نكتة الالتفات . قوله تعالى : الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ، تأكيد للبيان السابق وتشديد في النهى عن الامتراء ، وهو الشك والارتياب ، وظاهر الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه للأمة . قوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ، الوجهة ما يتوجه إليه كالقبلة ، وهذا رجوع إلى تلخيص البيان السابق ، وتبديل له من بيان آخر يهدي الناس إلى ترك تعقيب أمر القبلة ، والاكثار من الكلام فيه ، والمعنى ان كل قوم فلهم قبلة مشرعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكما تكوينيا ذاتيا لا يقبل التغيير والتحويل ، فلا يهم لكم البحث والمشاجرة فيه ، فاتركوا ذلك واستبقوا الخيرات وسارعوا إليها بالاستباق ، فان الله سيجمعكم إلى يوم لا ريب فيه ، وأينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ان الله على كل شئ قدير . واعلم أن الآية كما انها قابلة الانطباق على أمر القبلة لوقوعها بين آياتها كذلك تقبل الانطباق على أمر التكوين ، وفيها إشارة إلى القدر والقضاء ، وجعل الاحكام والآداب لتحقيقها وسيجئ تمام بيانه فيما يخص به من المقام إنشاء الله .